ابن خلكان
34
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فضربوه أشدّ الضرب ، وهم لا يحسنون « 1 » الضرب ، فكادوا أن يتلفوه ، وتركوه . وكان هناك رجل بصير بالعلاج فطلبوه لمعالجته ، فلما رآه قال : يكون قد ضربوه خمسين سوطا ، فقيل : بل مائتي سوط ، فقال : ما هذا إلا أثر خمسين سوطا لا غير ، ولكن يحتاج أن ينام على ظهره على باريّة وأدوس صدره ، فجزع الفضل من ذلك ثم أجاب إليه ، فألقاه على ظهره وداسه ، ثم أخذ بيده وجذبه عن البارية ، فتعلق بها من لحم ظهره شيء كثير ، ثم أقبل يعالجه ، إلى أن نظر يوما إلى ظهره ، فخر المعالج ساجدا للّه تعالى ، فقيل له : ما بالك ؟ فقال : قد برئ وقد نبت في ظهره لحم حي ، ثم قال : ألست قلت هذا ضرب خمسين سوطا ، أما واللّه لو ضرب ألف سوط ما كان أثرها بأشدّ من هذا الأثر ، وإنما قلت ذلك حتى تقوى نفسه « 2 » فيعينني على علاجه « 3 » . ثم إن الفضل اقترض من بعض أصحابه عشرة آلاف درهم « 4 » وسيّرها له « 5 » ، فردّها عليه ، فاعتقد أنه قد استقلها ، فاقترض عليها عشرة آلاف أخرى وسيّرها فأبى أن يقبلها وقال : ما كنت لآخذ على معالجة فتى من الكرام كراء ، واللّه لو كانت عشرين ألف دينار ما قبلتها ، فلما بلغ ذلك الفضل قال : واللّه إن الذي فعله هذا أبلغ من الذي فعلناه في جميع أيامنا من المكارم ، وكان قد بلغه أن ذلك المعالج كان في شدة وضائقة . وكان الفضل ينشد وهو في السجن هذه الأبيات ، وأظنها لأبي العتاهية ، ثم وجدتها لصالح بن عبد القدوس من جملة أبيات قالها وهو محبوس ، وقيل إنها لعلي بن الخليل ، وكان هو وصالح المذكور يتهمان بالزندقة ، فحبسهما الخليفة المهدي بن المنصور ، فقال هذه الأبيات « 6 » :
--> ( 1 ) ل : يحسبون . ( 2 ) لي : يقوى على نفسه . ( 3 ) لي : معالجته . ( 4 ) ر : درهم أخرى . ( 5 ) ن : وأرسلها إليه . ( 6 ) ثم وجدتها . . . الأبيات : سقط من س ل لي بر .